غير مصنف هل تعلم

هل الزمن مقدار مُتغير وأن كل زمن له مرجع


وصلنا من الحلقات السابقة إلى أن الزمن مقدار مُتغير يتوقف على المجموعة المتحركة التي يُشتَق منها .. وأن كل زمن له مرجع، هو حركة الجسم وحركة المجموعة التي يستنبط منها أساس تقويمه الزمني ..

فإذا حدث وتغيرت حركة الجسم فإنه ينبغي أن يتغير زمنه ..
وبما أن الحد الأقصى لسرعة الحركة هو سرعة الضوء – 186284 ميلًا ، الثانية – هذا الرقم يمثل حدود معرفتنا، والسقف الذي تقف عنده معادلاتنا وحساباتنا الرياضية ..
وما يُقال عن الزمان يقال عن المكان .
ويضرب أينشتين مثلًا بسيطًا لهذا الكلام فيقول :
إننا إذا تصورنا ساعة ملصقة بجسم متحرك .. فإن هذه الساعة لابد أن تسير بسرعة أخرى مختلفة عن سرعة ساعة ملصقة بجسم ساكن – كالجدار مثلًا – ..
وبالمثل .. فإن مسطرة تتحرك في الفضاء لابد أن يتغير طولها تبعًا لحركتها ..
وعلى وجه الدقة .. فإن الساعة الملصقة بجسم متحرك، تتأخر في الوقت كلما زادت سرعة الجسم حتى تبلغ سرعة الجسم سرعة الضوء فتتوقف الساعة تمامًا ..
والشخص الذي يصاحب الساعة في حركتها لا يدرك هذه التغيرات .. وإنما يدركها الشخص الذي يلاحظها من مكان ساكن .
وبالمثل تنكمش المسطرة في اتجاه حركتها كلما زادت هذه الحركة حتى يتحول طول المسطرة إلى صفر حينما تبلغ سرعة الضوء ..
والتفسير بسيط ..
إن الساعة التي تسير بسرعة الضوء لن يصل إلينا الشعاع القادم منها .. فهي بالنسبة لنا ستبدو متوقفة عند أوضاع العقارب التي شاهدناها بها أول مرة ..
فإذا كانت تسير بسرعة عالية لكن أقل من سرعة الضوء .. فإن رؤيتنا للتغيرات على وجهها ستبدو دائمًا متخلّفة وسنشعر أنها تؤخر .
وبالمثل .. مسطرة تتحرك بسرعة الضوء، فإننا لن نرى منها إلا نقطة .. إلا طول مقداره صفر . فإذا كانت حركتها سريعة ولكن أقل من سرعة الضوء، فإنها ستبدو أقل طولًا مما هي عليه .
أما بالنسبة للمسافر بهذه السرعة العالية فإنه لن يلاحظ أي تغير .. إن دقات قلبه سوف تبطئ ولكن ساعة يده سوف تؤخِر .. وهو لهذا لن يلحظ أي تغير في سرعة قلبه .. ولكن الذي يلاحظه من على الأرض بتلسكوب مثلًا .. سوف يكتشف أنه يكبر ببطء .
ولو قُدِّر لواحد أن يسافر بصاروخ سرعته 167000 ميل / ثانية مثلًا .. ليقضي في سفريته 10 سنوات، فإنه حينما يعود إلى الأرض سوف يكتشف أنه كبر في العمر خمس سنوات فقط ..
إنه يكبر ببطء لأن الزمن في السرعات العالية يبطئ من إيقاعه لتصبح العشر سنوات خمس سنوات .
أما إذا انطلق بسرعة أكبر من سرعة الضوء ولمسافة أكبر .. كأن يطير في صاروخ إلى سديم أندروميدا، وبسرعة خرافية بحيث يطوي هذه المسافة التي يقطعها الضوء في مليون سنة .. يطويها هو ذهابًا وإيابًا إلى الأرض في 55 سنة .. فماذا يجد ! .. إنه يجد أن الأرض قد مضى عليها ثلاثة ملايين سنة في غيابه .. لقد أبطأ به زمنه وكاد يتوقف بينما ملايين السنين تُطوَى على الأرض .
وهو مجرد افتراض بالطبع .. لأنه لا أحد يستطيع أن يتحرك بسرعة الضوء أو يتجاوزها .. ومستحيل على جسم مادي أن يخترق حاجز الضوء ..
لكن إذا تصورنا فرضًا أن هذه المعجزة حدثت فإن هناك نكتة أخرى سوف تكون بانتظار هذا المسافر العجيب .. فإنه إذا اخترق حاجز الضوء سوف يخرق حاجز الزمن في نفس اللحظة، فيبرح الأرض اليوم ليعود إليها بالأمس بدلًا من الغد .. سوف يتحول إلى مسافر في الزمن الماضي .. فيسافر اليوم ويعود البارحة، فيعثر على نفسه حينما كان في ذلك اليوم الماضي .. وتتواجد منه نسختان لأول مرة في آن واحد .. ويلتقي هو اليوم بنفسه .. وتوأمه البارحة ..
وهي ألغاز وأحاجي تبدو كالهذيان وتخرق كل ما هو مألوف .. ولكن علماء الرياضيات لا ينظرون إلى المألوف ولا يستمدون علومهم من المألوف .. وإنما هم يعيشون في المعادلات والحسابات والفروض .. والفيصل والحَكَم عندهم هي الأرقام .
ونحن لا نتصور كيف يمكن أن يبطئ إيقاع الزمن نتيجة الحركة ..
ولا نتصور كيف تتقلص أبعاد المكان بالحركة .
والسبب .. هو التعوّد ، والأحاسيس المألوفة .
فلم يحدث أن رأينا ساعة تؤخر لمجرد أنها مثبّتة في قطار متحرك مثلًا .. !
ولم يحدث أن رأينا مسطرة تنكمش في اتجاه حركتها ..
والسبب أن السرع الأرضية كلها بما فيها سرعة الطائرات والصواريخ هي سرع صغيرة جدًا بالنسبة لسرعة الضوء .. وبالتالي تكون التغيرات في الزمان وفي المقايس المِتريّة طفيفة جدًا جدًا جدًا .. ولا يمكن إدراكها بالحواس .
فإذا أضفنا لهذا أن علم الطبيعة الكلاسيكية قد علمنا منذ الصغر أن الأجسام المتحركة تحافظ على أطوالها سواء في الحركة أو السكون ..
وأن الساعة تحافظ على انضباطها سواء أكانت متحركة أو ساكنة .. فالنتيجة أننا نعيش سجناء .. أسرى آراء خاطئة، وأحاسيس خاطئة .. تعمقت جذورها فينا يومًا بعد يوم نتيجة الألفة .
والعالِم العظيم والمكتشف العبقري هو وحده الذي يستطيع أن يمزق أستار هذه الألفة .. ويتخلص من أسرار هذه العادة .. ويأخذ بيدنا إلى حقيقة جديدة ..
وهذا هو ما فعله أينشتين، والنتيجة هي الدهشــة .. وعدم التصديق ..
لأن الحقيقة تصدم حواسنا ..
ومن حسن الحظ أن العِلم لم يتوقف عند مجرد الأمثلة الخيالية، والافتراضات، والمعادلات الجبرية .. وإنما استطاع أن يقدم لنا دليلًا ملموسًا على صدق النسبية ..
إستطاع إيفز سنة 1936 أن يثبت أن ذرة الأيدروجين المشع المنطلقة بسرعة عالية تطلق أشعة ترددها أقل من الذرات الساكنة، أو بشكل آخر أن الزمن فيها أبطأ .. فتردد الموجة هو ذبذبتها في الزمن .. وحينما نقول إن تردد الموجة يقل مع الحركة فإنه يكون مثل قولنا إن عقرب الساعة يتحرك على مينائها بطريقة أبطأ .. وأن زمنها يتأخر .
وهكذا أمكن لأينشتين أن يثبت قصور رياضيات نيوتن وعدم كفايتها في حساب السرع والأبعاد الكبيرة في الكون الشاسع ..
وأثبت ماكس بلانك بالمثل قصور رياضيات الضوء الكلاسيكية، وعدم كفايتها في حساب العلاقات الدقيقة بين الأبعاد الصغيرة جدا في الذرة والفوتون ..
وكانت النتيجة هي ..
النظرية النسبية كمحاولة لشرح ظواهر الكون الكبير ومعرفة علاقاته ..
والنظرية الكمية كمحاولة لشرح ظواهر عالَم الذرة الصغيرة ومعرفة علاقاته .
ولكن بين النظريتين فجوة .. ولابد من محاولة ثالثة لربط النظريتين بقانون واحد ومعادلات واحدة حتى يتم ربط الكون كله في إطار من قانون واحد ..
فأينشتين عنده نظرية لا يريد أن يتزحزح عنها .. أن الكون بسيط برغم تعدده .. وأن ظواهره الكثيرة برغم اختلافها وتناقضها فإن فيها وحدة .. وهو يؤمن بهذه الوحدة إيمانًا دينيًا .. وهي تقوم في ذهنه سابقة على أي برهان ..
وهو يرفض فكرة أن الكون فوضى .. ويرفض فكرة الاتفاق والصدفة والعشوائية ..
ويشكر الله كل يوم على القدْر القليل الذي يسره له من الحقيقة، ويبدي إعجابه بالروح العليا التي تكشف له عن سرها في التفاصيل القليلة الممكنة لإدراكه .
وهو في سنة 1925 يتقدم بنظرية “المجال الموحد” في محاولة ليجمع شتات القوانين الطبيعية ويضمها تحت لواء قانون واحد ثم يعود فيستبعدها .. ويرفضها ..
إن الأمر أصعب بكثير ممّا تصور .
وهو يحتاج إلى مزيد من العرق والكفاح ..
* * * * *
وإذا عدنا للأساس الذي يبني عليه أينشتين وحدة القوانين الطبيعية فإننا نرى أن أساسها عنده هو الضوء ..
فالضوء بسرعته الثابتة الواحدة خلال رحلته الأبدية في أطراف الكون يضم أشتات الكون تحت لواء قوانين واحدة .. وفي نفس الوقت يزود الرياضيات بأحد الثوابت النادرة التي يمكن أن تعتمد عليها .. إن ” 186284 ميل ثانية ” هو ثابت مطلق لا يتغيّر مقداره في أي طرف من أرجاء الكون.
وبما أنه يربط جميع المجموعات المتحرّكة وينتقل بينها .. دون أن يتغير .. فلابد أن هناك قاسمًا مشتركا أعظم لكل القوانين المختلفة التي تحكم هذه المجموعات ..
هناك أمل إذن .. والطريق مفتوح ..
وإذا عدنا إلى مَثَل الساعة المتحركة .. والمسطرة المتحركة ..
فإننا سوف نذكر أننا قلنا إن الساعة المنطلقة بسرعة عالية تظلّ تؤخّر وتؤخر حتى تبلغ سرعة الضوء فيتوقف الزمن فيها تمامًا ..
والمسطرة الطائرة بالمثل تظل تنكمش وتنكمش حتى تبلغ سرعة الضوء فيصبح طولها صفرًا ..
وهذه مستحيلات فَرَضية بالطبع .. لأن سرعة الضوء حدّ أقصى لا يُمكن لأي جسم أن يبلغها ، فهي قاصرة على الضوء ذاته ..
ولكن أينشتين يُمعن في الافتراض .. في صفة ثالثة غير زمان الجسم ومكانه .. هي “كتلته” .. ويتساءل .. ماذا يحدث لكتلة جسم منطلق بسرعة عالية تقرب من سرعة الضوء .. ؟؟!
————————————–
تابعونا في المقال القادم إن شاء الله
————————————–


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *