شخصات تارخية

حياة هارون الرشيد قبل الخلافة

ان هارون الرشيد هو ابن الخليفة محمد المهدي من زوجته الخيزران بنت عطاء التي كان لها نفوذ كبير في الدولة، ولد هارون عام 149 هـ (766م) في مدينة الري التي أصبحت جزءاً من إقليم الجبال في فترة الدولة العباسية. وكان والده واليًا على المدينة. تربى الرشيد مع أولاد الأمراء والقادة في الدولة العباسية ومع إخوته بالرضاعة، الفضل وجعفر أولاد يحيى البرمكي الذي صار له مكانة عظمى بالدولة العباسية، وفي عام 151 هـ وبعد وفاة جعفر الابن الأكبر للخليفة أبو جعفر المنصور عادت أسر المهدي إلى بغداد، وقد أصبح المهدي وليًا للعهد. وعاش الرشيد طفولة هادئة ومستقرة في ظلّ رعاية والده وجده، وكان ممن تولى تربيته وتعليمه عالم النحو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي الكوفي المعروف (الكسائي)، الذي ظل معه حتى وفاته ثم صار أيضًا معلمًا لابن الرشيد محمد الأمين. كما تولى تربيته وتعليمه المعلم المفضل الضبي الذي صنف للمهدي كتاب “المفضليات”.

في عام 158 هـ توفي أبو جعفر المنصور وأصبح المهدي في منصب الخلافة ودفع بابنه هارون للتدرب على الفروسية والرمي وفنون القتال، وقال محمد بن علي الخراساني: “الرشيد أول خليفة لعب بالصوّالجة والكرة، ورمى النشاب في البرجاس، وأول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس”.

عندما أصبح هارون شابًا يافعًا، عينه والده قائدًا في الجيش الذي يضم العديد من قادة الكبار وأمراء الدولة، وكان عمر هارون وقتها لا يتجاوز الخمس عشر عامًا، وخرج الجيش عام 163 هـ إلى أراضي الروم وتوغل فيها وأظهر هارون براعة في قيادته وحاصر قلعة رومية اسمها “سمالوا” ثمانية وثلاثين يومًا حتى انتهى الأمر بفتحها، وعاد الرشيد بالجيش سالمًا محملًا بالغنائم، فاستقبله أهل بغداد وكافأه المهدي بتوليته بلاد أذربيجان وأرمينية.

وفي عام 165 هـ تزوج الرشيد ابنة عمه زبيدة بنت جعفر، وبعد الزواج بفترة قصيرة، أرسله والده المهدي لقيادة جيش آخر لغزو الروم، مكون من 95,793 رجل. وصل جنود الرشيد خليج البحر المطل على القسطنطينية، وكانت حاكمتهم يومئذ أيرين زوجة أليون الملقبة (أغسطه)، وهي وصية العرش لابنها قنسطنطين البالغ من العمر تسع سنوات، فطلبت الصلح من الرشيد، بعد أن رأت القتل في الروم، على أن تدفع له سبعين ألف دينار كل سنة، فقبل ذلك منها وأرسلت معه الهدايا لوالده الخليفة المهدي وتعاهدت مع الرشيد على هدنة ثلاث سنين. فقال في ذلك مروان بن أبي حفصة:

أطفت بقسطنطينية الروم مسندا إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها
وما رمتها حتى أتتك ملوكها بجزيتها والحرب تغلي قدورها

عاد هارون من تلك الغزوة إلى بغداد وقد فرح المهدي بانتصار ابنه وأطلق عليه لقب الرشيد، وأخذ له البيعة كولي للعهد بعد أخيه الأكبر موسى الهادي، فأصبح هارون الرشيد ولي العهد الثاني.

ولاية العهد لهارون الرشيد ومبايعة أخيه الهادي,
لقد كانت الخيزران تحب ابنها هارون، وترغب في تقديمه على أخيه الهادي في ولاية العهد لما رأته فيه من بطولة وذكاء وحكمة، بالرغم من كون الاثنين ولديها، ولأن الخليفة المهدي كان يحب الخيزران حبًا كبيرًا، فعزم على تنفيذ رغبتها ونقل ولاية العهد من ولده موسى الهادي إلى هارون الرشيد، فأرسل في طلب ولده الهادي للحضور لديه وكان مقيمًا في جرجان.

لكن الهادي علم أن أباه يريد خلعه من ولاية العهد، فلم يمتثل لأمر أبيه وظل مقيمًا في جرجان، فغضب المهدي منه وجهز جيشًا وتوجه إلى جرجان ومعه ابنه هارون الرشيد، لكنه توفي في ماسبذان. فصلى عليه هارون ودفنه. وأرسل هارون إلى أخيه الهادي بخاتم الخلافة وهنأه بالخلافة، وأخذ البيعة من الأمراء وقادة الجيش وعامة الشعب. وتسلم الهادي أمر الخلافة وتوجه إلى بغداد لممارسة مهام عمله وأخذ البيعة بنفسه وكان ذلك في عام 168 هـ. ولم تستمر مدة خلافته سوى سنة وثلاثة أشهر.

محاولة الهادي لخلع هارون من ولاية العهد,
لم ينازع الرشيد أخاه الهادي من توليه الخلافة، ولم يدخل معه في صراع، لأنه يعلم أن الصراع على السلطة والحكم مِعول هدم للخلافة الإسلامية التي سعى العباسيون إليها، إلا أن أخاه الهادي أراد عزل الرشيد عن ولاية العهد وجعلها لابنه جعفر من بعده، وهذا يتطلب تنازل الرشيد عن ولاية العهد ومبايعة الولي الجديد.

أصبح الهادي ينتقد تصرفات أخيه الرشيد في مجالسه ويبدي عدم رضاه عنه، بل وطلب منه أكثر من مرة أن يتنازل عن ولاية العهد، فقد ذكر الطبري في تاريخه أن الهادي بعث إلى يحيى البرمكي، وكان أشد المناصرين للرشيد ليلا ولكن يحيى يشك أن الهادي سوف يقتله لدرجة أنه ودع أهله، وتحنط وجدد ثيابه، فلما أدخل عليه، قال له الهادي: يا يحيى، ما لي ولك! قَالَ: أنا عبدك يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته. قَالَ: فلم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي! قَالَ: يا أمير المؤمنين، من أنا حتى أدخل بينكما! إنما صيرني المهدي معه، وأمرني بالقيام بأمره، فقمت بما أمرني به، ثم أمرتني بذلك فانتهيت إلى أمرك، قَالَ: فما الذي صنع هارون؟ قَالَ: ما صنع شيئًا، ولا ذلك فيه ولا عنده. فسكن غضب الهادي.

وسبب هذا الحوار أن الهادي قد علم أن يحيى البرمكي كان يشجع الرشيد على عدم التنازل عن ولاية العهد، ولذلك تكرر تحذير الهادي له أكثر من مرة، إلا أن يحيى البرمكي ظل معاونًا للرشيد يشجعه على عدم التنازل عن ولاية العهد بعد أن رأى أن الرشيد لا يريد أن يدخل في صراع على السلطة والخلافة مع أخيه، وانتهى الأمر بأن أصدر الهادي أمرًا باعتقال يحيى البرمكي، فظل في السجن حتى وفاة الهادي وأخرجته الخيزران ليكون الوزير المقرب من الرشيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *